فصل: الترشيح الأول: في أقسام التدوين وأصناف المدونات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم (نسخة منقحة)



.التلويح الرابع: في أهل يونان:

هم أمة عظيمة القدر بلادهم بلاد روم إيلي وأناطولي وقرامان وكانت عامتهم صابئة عبدة الأصنام وكان الإسكندر منهم الذي أجمع ملوك الأرض على الطاعة لسلطانة وبعده البطالسة إلى أن غلب عليهم الروم وكان علماؤهم يسمون فلاسفة إلهيين أعظمهم خمسة: بندقليس كان في عصر داود- عليه السلام- ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطون ثم أرساطاطاليس.
ولهم تصانيف في أنواع الفنون وهم من أرفع الناس طبقة وأجل أهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والإلهية والسياسات المنزلية والمدنية وجميع العلوم العقلية مأخذوة عنهم ولغة قدمائهم تسمى الإغريقية وهي من أوسع اللغات.
ولغة المتأخرين تسمى اللطيني لأنهم فرقتان: الإغريقيون واللطينيون وكان ظهور أمة اليونان في حدود سنة ثمان وستين وخمسمائة من وفاة موسى- عليه السلام- وقبل ظهروا الإسكندر بخمس وأربعين وثمانمائة سنة.

.التلويح الخامس: في الروم:

وهم أيضا صابئة إلى أن قام قسطنيطين بدين المسيح وقسرهم على التشرع به فأطاعوه ولم يزل دين النصرانية يقوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المجاورة للروم وجميع أهل مصر وكان لهم حكماء علماء بأنواع الفلسفة وكثير من الناس يقول: إن الفلاسفة المشهورين روميون والصحيح أنهم يونانيون ولتجاور الأمتين دخل بعضهم في بعض واختلط خبرهم وكلا الأمتين مشهور العناية بالفلسفة إلا أن لليونان من المزية والتفضيل مالا ينكر وقاعدة مملكتهم رومية الكبرى. ولغتهم مخالفة للغة اليونان.
وقيل لغة اليونان الإغريقية ولغة الروم اللطينية وقلم اليونان والروم من اليسار إلى اليمين مرتب على ترتيب أبجد وحروفهم: ايج وزطي كلمن شعفص قرشت ثخ ظغ فالدال والهاء والحاء والذال والضاد ولام ألف سواقط ولهم قلم يعرف بالساميا ولا نظير له عندنا فإن الحرف الواحد منه يحيط بالمعاني الكثيرة ويجمع عدة كلمات.
قال جالينوس في بعض كتبه: كنت في مجلس عام فتكلمت في التشريح كلاما عاما فلما كان بعد أيام لقيني صديق لي فقال: إن فلانا يحفظ عليك في مجلسك أنك تكلمت بكلمة كذا وأعاد علي ألفاظي فقلت من أين لك هذا؟ فقال: إني لقيت بكاتب ما هر بالساميا فكان يسبقك بالكتابة في كلامك وهذا العلم يتعلمه الملوك وجلة الكتاب ويمنع منه سائر الناس لجلالته. كذا قال النديم في الفهرس.
وذكر أيضا: أن رجلا متطببا جاء إليه من بعلبك سنة ثمان وأربعين وزعم أنه يكتب بالساميا قال: فجربنا عليه فأصبناه إذا تكلمنا بعشر كلمات أصغى إليها ثم كتب كلمة فاستعدناها فأعادها بألفاظنا. انتهى.
قف: ذكر في السبب الذي من أجله يكتب الروم من اليسار إلى اليمين بلا تركيب أنهم يعتقدون أن سبيل الجالس أن يستقبل المشرق في كل حالاته فإنه إذا توجه إلى المشرق يكون الشمال عن يساره فإذا كان كذلك فاليسار يعطي اليمين فسبيل الكاتب أن يبتدئ من الشمال إلى الجنوب وعلل بعضهم بكون الاستمداد عن حركة الكبد على القلب.

.التلويح السادس: في أهل مصر:

وهم أخلاط من الأمم إلا أن جمهرتهم قبط وإنما اختلطوا لكثرة من تداول ملك مصر من الأمم كالعمالقة واليونانيين والروم فخفي أنسابهم فانتسبوا إلى موضعهم وكانوا في السلف صابئة ثم تنصروا إلى الفتح الإسلامي.
وكان لقدمائهم عناية بأنواع العلوم ومنهم هرمس الهرامسة قبل الطوفان وكان بعده علماء بضروب الفلسفة خاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والمرايا المحرقة والكيمياء.
وكانت دار العلم بها مدينة منف فلما بنى الإسكندر مدينة رغب الناس في عمارتها فكانت دار العلم والحكمة إلى الفتح الإسلامي. فمنهم الإسكندرانيون الذين اختصروا كتب جالينوس وقيل: إن القبط اكتسب العلم الرياضي من الكلدانيين.

.التلويح السابع: في العبرانيين:

وهم بنو إسرائيل وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع وسير الأنبياء فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليقة وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة.
ولغتهم تنسب إلى عابر بن شالخ والقلم العبراني اليمين إلى اليسار وهو من أ بجد إلى آخر قرشت وما بعده سواقط وهو مشتق من السرياني.

.التلويح الثامن: في العرب:

وهم فرقتان: بائدة وباقية والبائدة: كانت أمما كعاد وثمود انقرضوا وانقطع عنا أخبارهم.
والباقية: متفرعة من قحطان وعدنان ولهم حال الجاهلية وحال الإسلام.
فالأولى: منهم التبابعة والجبابرة ولهم مذهب في أحكام النجوم لكن لم يكن لهم عناية بأرصاد الكواكب ولا بحث عن شيء من الفلسفة.
وأما سائر العرب بعد الملوك فكانوا أهل مدر ووبر فلم يكن فيهم عالم مذكور ولا حكيم معروف وكانت أديانهم مختلفة وكان منهم من يعبد الشمس والكواكب ومنهم من تهود ومنهم من يعبد الأصنام حتى جاء الإسلام.
ولسانهم أفصح الألسن وعلمهم الذي كانوا يفتخرون به علم لسانهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب وعلم الأخبار ومعرفة السير والأعصار.
قال الهمداني: ليس يوصل إلى أحد خبر من أخبار العرب والعجم إلا بالعرب وذلك أن من سكن بمكة أحاطوا بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم أخبارهم وأيام حمير ومسيرها في البلاد وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان ومن وقع في ا لبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند والهند وفارس ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا لأنه كان في ظل الملوك السيارة.
والعرب أصحاب حفظ ورواية ولهم معرفة بأوقات المطالع والمغارب وأنواء الكواكب وأمطارها لاحتياجهم إليه في المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق والتدرب في العلوم. وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله سبحانه وتعالى شيئا منه ولا هيأ طباعهم للعناية به إلا نادرا. وقد ذكرنا في لقطة العجلان أحوال الأمم الماضية على سبيل الإيجاز فإن شئت فارجع إليه.

.الفصل الثالث: في أهل الإسلام وعلومهم:

وفيه: إشارات.

.الإشارة الأولى: في صدر الإسلام:

اعلم أن العرب في آخر عصر الجاهلية حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم قد تفرق ملكها وتشتت أمرها فضم الله سبحانه وتعالى به شاردها وجمع عليه جماعة من قحطان وعدنان فآمنوا به ورفضوا جميع ما كانوا عليه والتزموا شريعة الإسلام من الاعتقاد والعمل.
ثم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا حتى توفي وخلفه أصحابه- رضي الله عنهم- فغلبوا الملوك وبلغت مملكة الإسلام في أيام عثمان بن عفان من الجلالة والسعة إلى حيث نبه- عليه الصلاة والسلام- في قوله: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». فأباد الله تعالى بدولة الإسلام دولة الفرس بالعراق وخراسان ودولة الروم بالشام ودولة القبط بمصر.
فكانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها وبصناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجة الناس طرا إليها وذلك منهم صونا لقواعد الإسلام وعقائده عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والإحكام حتى يروى انهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد.
وقد ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ والعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر ذلك إلى آخر عصر التابعين ثم حدث اختلاف الآراء وانتشار المذاهب فآل الأمر إلى التدوين والتحصين.

.الإشارة الثانية: في الاحتياج إلى التدوين:

اعلم أن الصحابة والتابعين لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وقرب العهد إليه ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام حتى إن بعضهم كره كتابة العلم واستدل بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة العلم فلم يأذن له.
وروي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة وقال: إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة.
وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال: إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك فلما عرض عليه أخذ منه ومحا بالماء فقيل له: لماذا فعلت؟ قال: لأنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم.
واستدل أيضا بان الكتاب مما يزاد فيه وينقص ويغير والذي حفظ لا يمكن تغييره لأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي يخبر عن الكتابة يخبر بالظن والنظر.
ولما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرقت الصحابة في الأقطار وحدثت الفتن واختلاف الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والاصطلاحات وتبيين المذاهب والاختلافات.
وكان ذلك مصلحة عظيمة وفكرة في الصواب مستقيمة فرأوا ذلك مستحبا بل واجبا لقضية الإيجاب المذكور مع قوله صلى الله عليه وسلم «العلم صيد والكتابة قيد قيدوا- رحمكم الله تعالى- علومكم بالكتابة» الحديث. قلت: ولعل هذا الحديث لم يصح.

.الإشارة الثالثة: في أول من صنف في الإسلام:

اعلم أنه اختلف في أول من صنف فقيل: الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة خمس وخمسين ومائة وقيل أبو النضر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومائة ذكرهما الخطيب البغدادي.
وقيل ربيع بن صبيح المتوفى سنة ستين ومائة قاله أبو محمد الرامهرمزي ثم صنف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس بالمدينة المنورة وعبد الله بن وهب بمصر ومعمر وعبد الرزاق باليمن وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة وحماد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة وهشيم بواسط وعبد الله بن مبارك بخراسان وكان مطمح نظرهم ومطرح بصرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما.

.الإشارة الرابعة: في اختلاط علوم الأوائل والإسلام:

اعلم أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأموية ولما ظهر آل العباس كان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور وكان- رحمه الله تعالى- مع براعته في الفقه مقدما في علم الفلسفة وخاصة في النجوم محبا لأهلها.
ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع عبد الله المأمون بن الرشيد تمم ما بدأ به جده فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه من معادنه بقوة نفسه الشريفة وعلو همته المنيفة فداخل ملوك الروم وسألهم وصلة ما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم.
وأحضر لها مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن ثم كلف الناس قراءتها ورغبهم في تعلمها إذ المقصود من المنع هو إحكام قواعد الإسلام ورسوخ عقائد الأنام وقد حصل وانقضى على أن أكثرها مما لا تعلق له بالديانات.
فنفقت له سوق العلم وقامت دولة الحكمة في عصره وكذلك سائر الفنون فأتقن جماعة من ذوي الفهم في أيامه كثيرا من الفلسفة ومهدوا أصول الأدب وبينوا منهاج الطلب ثم أخذ الناس يزهدون في العلم ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن تارة وجمع الشمل أخرى إلى أن كاد يرتفع جملة.
وكذا شأن سائر الصنائع والدول فإنها تبتدئ قليلا قليلا ولا يزال يزيد حتى يصل إلى غاية هي منتهاه ثم يعود إلى النقصان فيؤول أمره إلى الغيبة في مهاد النسيان.
والحق أن أعظم الأسباب في رواح العلم وكساده هو رغبة الملوك في كل عصر وعدم رغبتهم فإنا لله وإنا إليه راجعون.

.الفصل الرابع: في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع:

وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق ذلك الفن المتناول حاصلا.
وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يحصل علما وبين العالم النحرير والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي.
والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل.
ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم وإلا لكان واحدا عند جميعهم.
ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا العربية وكذا كل علم تتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدل على أنها صناعات في التعليم والعلم واحد في نفسه.
وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتتاقض الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر.
وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة.
فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل.
وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي.
كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى. إلى القاضي محمد بن عبد السلام شارح مقدمة ابن الحاجب وتلميذه.
وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الإمام وتلميذه فإنه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة وفي مجالس بأعيانها وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد إلا أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم.
ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقن تعليمهم وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة. وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل ببجاية واتصل سند تعليمه في طلبتها وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقل من القليل.
وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم.
وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم.
ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم. وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك.
ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين وهذه المدة بالمدارس على التعارف هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب لهذه المدة الأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك.
وأما أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية والأدب اقتصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه وأما الفقه بينهم فرسم خلي وأثر بعد عين وأما العقليات فلا أثر لها ولا عين وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها والله غالب على أمره.
وأما المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتصال العمران الموفور واتصال السند فيه وإن كانت الأمصار العظيمة التي كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلا أن الله تعالى قد أبدل فيها بأمصار أعظم من تلك وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب فلم تزل موفورة وعمرانها متصلا وسند التعليم بها قائما.
فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم بل وفي سائر الصنائع حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل الغرب وأنهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب. ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشيعون لذلك ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع.
وليس كذلك وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللهم إلا الأقاليم المنحرفة مثل الأول والسابع فإن الأمزجة فيها منحرفة والنفوس على نسبتها كما مر.
وإنما الذي فضل به أهل المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما في تقدم الصنائع ونزيده الآن تحقيقا وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم.
ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جيدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها العقل لسرعة الإدراك للمعارف.
ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها.
وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس إذ النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك.
ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته وعقله وليس كذلك وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية مالا يعرفه البدوي.
فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها الكمال في عقله وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس كذلك فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم فإن لها آثارا ترجع إلى النفس.
وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة ظن المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في حقيقة الإنسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه والله يزيد في الخلق ما يشاء وهو إله السموات والأرض.
قف: إن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة والسبب في ذلك أن تعليم العلم من جملة الصنائع وأن الصنائع إنما تكثر في الأمصار وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش.
فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها.
واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام.
ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارته مستحكمة منذ آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم وأكد ذلك فيها حفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا.
وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك وكباته فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال.
فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها والله يخلق ما يشاء وهو العليم الحكيم.

.الباب الثالث: في المؤلفين والمؤلفات والتحصيل:

وفيه: ترشيحات.

.الترشيح الأول: في أقسام التدوين وأصناف المدونات:

اعلم أن كتب العلم كثيرة لاختلاف أغراض المصنفين في الوضع والتأليف ولكن تنحصر من جهة المعنى في قسمين:
الأول: إما أخبار مرسلة وهي كتب التواريخ وإما أوصاف وأمثال ونحوها قيدها النظم وهي دواوين الشعر.
والثاني: قواعد علوم وهي تنحصر من جهة المقدار في ثلاثة أصناف:
الأول: مختصرات تجعل تذكرة لرؤوس المسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة.
والثاني: مبسوطات تقابل المختصرات وهذه ينتفع بها للمطالعة.
والثالث: متوسطات وهذه نفعها عام.
ثم إن التأليف على سبعة أقسام: لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه أو شيء ناقص يتممه أو شيء مغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه أو شيء متفرق يجمعه أو شيء مختلط يرتبه أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.
وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد: استنباط شيء كان معضلا أو جمعه إن كان مفرقا أو شرحه إن كان غامضا أو حسن نظم وتأليف أو إسقاط حشو وتطويل.
وشرط في التأليف: إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص وهجر اللفظ الغريب وأنواع المجاز اللهم إلا في الرمز والاحتراز عن إدخال علم في علم آخر وعن الاحتجاج بما يتوقف بيانه على المحتج به عليه لئلا يلزم الدور.
وزاد المتأخرون اشتراط: حسن الترتيب ووجازة اللفظ ووضوح الدلالة وينبغي آن يكون مسوقا على حسب إدراك أهل الزمان وبمقتضى ما تدعوهم إليه الحاجة فمتى كانت الخواطر ثاقبة والإفهام للمراد من الكتب متناولة قام الاختصار لها مقام الإكثار وأغنت بالتلويح عن التصريح وإلا فلا بد من كشف وبيان وإيضاح وبرهان ينبه الذاهل ويوقظ الغافل.
وقد جرت عادة المصنفين بأن يذكروا في صدر كل كتاب تراجم لتعرب عنه سموها الرؤوس وهي ثمانية: الغرض وهو الغاية السابقة في الوهم المتأخرة في الفعل والمنفعة ليتشوق الطبع.
والعنوان الدال بالإجمال على ما يأتي تفصيله وهو قد يكون بالتسمية وقد يكون بألفاظ وعبارات تسمى براعة الاستهلال والواضع ليعلم قدره ونوع العلم وهو الموضوع ليعلم مرتبته وقد يكون الكتاب مشتملا على نوع من العلوم وقد يكون جزءا من أجزائه وقد يكون مدخلا- كما سبق في بحث الموضوع- ومرتبة ذلك الكتاب أي متى يجب أن يقرأ وترتيبه ونحو التعليم المستعمل فيه وهو بيان الطريق المسلوك في تحصيل الغاية.
وأنحاء التعليم: خمسة.
الأول: التقسيم والقسمة المستعملة في العلوم قسمة العام إلى الخاص وقسمة الكل إلى الجزء أو الكلي إلى الجزئيات وقسمة الجنس إلى الأنواع وقسمة النوع إلى الأشخاص وهذه قسمة ذاتي إلى ذاتي وقد يقسم الكلي إلى الذاتي والعرضي والذاتي إلى العرضي والعرضي إلى الذاتي والعرضي إلى العرضي والتقسيم الحاصر هو المردد بين النفي والإثبات.
والثاني: التركيب وهو جعل القضايا مقدمات تؤدي إلى المعلوم.
والثالث: والتحليل وهو إعادة تلك المقدمات.
والرابع: التحديد وهو ذكر الأشياء بحدودها الدالة على حقائقها دلالة تفصيلية.
والخامس: البرهان وهو قياس صحيح عن مقدمات صادقة وإنما يمكن استعماله في العلوم الحقيقية وأما ما عداها فيكتفي بالإقناع.